

أنهت السعودية عام 2025 بإشارة قوية إلى أن خطة جذب رؤوس الأموال الأجنبية تعمل بوتيرة متسارعة، بعدما قفز صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة خلال الربع الرابع بنحو 90% على أساس سنوي، في واحدة من أقوى القراءات الفصلية منذ عام 2023.
وبحسب البيانات المنشورة اليوم الثلاثاء على موقع الهيئة العامة للإحصاء، بلغ صافي التدفقات 48.4 مليار ريال خلال الربع الأخير من العام الماضي، مقارنة مع 25.5 مليار ريال في الفترة نفسها من العام السابق. وعلى أساس ربعي، ارتفعت التدفقات بنحو 82% مقارنة بالربع الثالث، في قفزة تعكس تسارعاً لافتاً في نهاية العام بعد ثلاثة أرباع اتسمت بمستويات أكثر استقراراً.
تأتي هذه القفزة فيما تحاول المملكة إثبات أن الإصلاحات الواسعة التي أطلقتها ضمن “رؤية 2030” بدأت تدفع الاقتصاد إلى مرحلة مختلفة في علاقته بالمستثمر الأجنبي: من سوق واعدة بالإصلاح إلى سوق تسعى إلى تحويل الوعود إلى تدفقات رأسمالية مستدامة.
فالرياض تستهدف جذب 100 مليار دولار سنوياً من الاستثمار الأجنبي المباشر بحلول نهاية العقد، وهو هدف طموح ظل لسنوات معياراً لقياس مدى نجاح التحول الاقتصادي في أكبر اقتصاد عربي. ومن أجل الاقتراب من هذا الهدف، مضت الحكومة في إعادة تشكيل البيئة التنظيمية على نحو أكثر جاذبية للمستثمرين، عبر تخفيف القيود على ملكية الأجانب في السوق المالية، إلى جانب إقرار نظام جديد يوسع نطاق تملك غير السعوديين للعقار.
والنتيجة أن صورة 2025 لا تبدو قوية فقط على مستوى الربع الأخير، بل على مستوى العام بأكمله أيضاً. فقد بلغت التدفقات الإجمالية نحو 133.2 مليار ريال، مقتربة من المستهدف الحكومي البالغ 140 مليار ريال، بينما وصل صافي التدفقات إلى نحو 109 مليارات ريال، في مستوى يعزز الانطباع بأن المملكة باتت أقرب إلى تحويل مستهدفاتها الاستثمارية إلى واقع سنوي قابل للقياس.
التدفقات المسجلة في 2025 هي أول معدل سنوي يتم احتسابه وفقاً لآلية جديدة أعلنتها وزارة الاستثمار في سبتمبر 2025، بما يتماشى مع منهجية صندوق النقد الدولي، ويعني ذلك أن المقارنات لم تعد مجرد مقارنة بين سنوات مختلفة، بل أيضاً بين طريقة أكثر دقة في التقاط التدفقات وبين تقديرات سابقة كانت أقل اتساعاً في احتسابها.
هذا التعديل المنهجي انعكس مباشرة على أرقام 2024، التي جرى تعديلها لتظهر تدفقات بقيمة 119 مليار ريال، بزيادة تقارب 37% عن التقديرات السابقة. وبذلك اقتربت السعودية أكثر من المستوى القياسي المسجل في 2021 عند نحو 122 مليار ريال، وهو ما يوحي بأن القفزة الأخيرة ليست منفصلة تماماً عن مسار أوسع من التحسن، بل ربما تمثل امتداداً له بعد إعادة قراءة البيانات على أسس أكثر اتساقاً مع المعايير الدولية.
تحقيق مستهدفات الاستثمار يمهد لمرحلة جديدة
يأتي هذا الأداء في وقت تمضي المملكة نحو مرحلة جديدة من استراتيجية الاستثمار، عقب بلوغ معدل الاستثمار نحو 30% من الناتج المحلي في 2024، إلى جانب تضاعف الاستثمار الأجنبي المباشر أربع مرات منذ إطلاق “رؤية 2030”.
كما يشهد القطاع تغيرات مؤسسية، مع تعيين فهد بن عبدالجليل آل سيف وزيراً للاستثمار، خلفاً لخالد الفالح الذي تم تعيينه وزير دولة وعضواً في مجلس الوزراء، في ظل تحولات متسارعة يشهدها قطاع الاستثمار مع قرب إطلاق المرحلة الثانية من الاستراتيجية.
ويأتي آل سيف من صندوق الاستثمارات العامة، حيث شغل مناصب قيادية في التمويل الاستثماري العالمي واستراتيجية الاستثمار والدراسات الاقتصادية.
وكان الفالح قد تولى قيادة وزارة الاستثمار منذ إنشائها في 2020، واستمر في منصبه حتى فبراير 2026، حيث شهدت فترة قيادته تحقيق عدد من مستهدفات الاستثمار ضمن “رؤية 2030” قبل موعدها.
المرحلة الثانية تركز على جودة الاستثمار وتعزيز التنافسية
تركز المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، وفق ما أشار إليه وزير الاستثمار السابق خالد الفالح، على البناء على ما تحقق، مع التحول من التركيز على نمو حجم الاستثمارات إلى تعزيز جودتها وإنتاجيتها، وتوجيهها نحو القطاعات ذات الأثر الاقتصادي الأعلى.
إلى جانب ذلك يأتي العمل على تحسين عدد من العوامل التنافسية، من بينها تسهيل وصول القطاع الخاص إلى الكفاءات، وخفض تكاليف الأعمال، وتطوير الحلول التمويلية الداعمة للنمو.
وفي هذا السياق، أقر مجلس الوزراء اللوائح التنظيمية للمناطق الاقتصادية الخاصة، على أن يبدأ تطبيقها في أبريل 2026، في خطوة تهدف إلى دعم تدفقات الاستثمار الأجنبي وتعزيز البيئة الاستثمارية في المملكة.



