اندفاع شركات التكنولوجيا نحو الذكاء الاصطناعي قد يرتد سلباً على سوق السندات


تستعد أكبر شركات التكنولوجيا لإنفاق على الذكاء الاصطناعي يفوق ما كان المستثمرون يتوقعونه، فيما تتزايد مخاوف مديري الأموال من أن أسواق الائتمان ستتأثر، أياً كانت النتائج.
تخوض كل من “مايكروسوفت ” و”أوراكل” وغيرها من شركات الحوسبة العملاقة سباقاً محموماً للاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتفوق على المنافسين في تقنية قد تغيّر قطاعات واسعة من الاقتصاد. وقالت شركة “ألفابت” المالكة لـ”غوغل” إنها تستعد لإنفاق ما يصل إلى 185 مليار دولار على مراكز البيانات هذا العام، وهو مبلغ يفوق ما استثمرته خلال السنوات الثلاث الماضية مجتمعة. أما “أمازون” فتعهدت بإنفاق أكبر، يصل إلى 200 مليار دولار.
اقتراض شركات التكنولوجيا يختبر متانة سوق السندات
سيأتي جزء من هذه الاستثمارات من سوق السندات عالية التصنيف، ما قد يؤدي إلى مبيعات ديون تفوق ما كان المستثمرون يتوقعونه هذا العام. لكن كلما زاد اقتراض شركات التكنولوجيا، ارتفع الضغط المحتمل على تقييمات السندات. وتُعد هذه الأوراق المالية مرتفعة السعر بالفعل وفق المعايير التاريخية، إذ تُتداول عند فروق عوائد قريبة من أدنى مستوياتها منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي.
وقال ألكسندر موريس، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة “إف/إم إنفستمنتس” (F/m Investments): “طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي تجد مشترين اليوم، لكنها تترك مجالاً محدوداً للمكاسب وهامشاً أقل للخطأ. لا توجد فئة أصول لا يمكن أن تتعرض للتدهور”.
وقد ألقت هذه المخاوف بظلالها هذا الأسبوع على سندات شركات التكنولوجيا، التي ضعفت عموماً مقارنة بسندات الخزانة الأميركية، بما في ذلك معظم ديون “أوراكل” البالغة 25 مليار دولار التي طرحتها يوم الإثنين. وعلى مستوى السوق الأوسع، اتسعت فروق عوائد السندات عالية التصنيف بنحو 0.02 نقطة مئوية هذا الأسبوع.
الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف جديدة بشأن مخاطر الائتمان
بعيداً عن معادلة العرض والطلب، أثارت المخاوف المتزايدة من قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث اضطرابات واسعة هزات في السوق. فمع إطلاق شركات مثل “أنثروبيك” (Anthropic PBC) سلسلة متواصلة من الأدوات التي تستهدف الخدمات المهنية من التمويل إلى تطوير البرمجيات، بدأ المستثمرون في تسعير التهديد الذي قد يشكله الذكاء الاصطناعي على نماذج أعمال كاملة.
وشهدت شركات البرمجيات انخفاض أسعار قروضها ذات الرافعة المالية بنحو 4% منذ بداية العام وحتى يوم الخميس، بحسب بيانات مؤشرات بلومبرغ، وسط مخاوف من أن يجعل الذكاء الاصطناعي العديد من منتجات البرمجيات غير ذات جدوى.
كما أن المقرضين المدرجين في البورصة والمعروفين باسم شركات تطوير الأعمال لديهم تعرض واسع لقطاع البرمجيات، إذ يشكل هذا القطاع أكثر من 20% من محافظهم في المتوسط، وفق مذكرة من “باركليز”. وتراجع مؤشر أسهم هذه الشركات بنسبة 4.6% هذا الأسبوع.
وفي أسواق السندات مرتفعة التصنيف وعالية العائد، يبقى تمثيل شركات البرمجيات أقل نسبياً، إذ لا تتجاوز حصتها نحو 3% في كل سوق، بحسب “باركليز”. ومع ذلك، فإن أحد العوامل التي تجعل سندات الشركات عرضة لتزايد المخاطر هو التقييمات المرتفعة، التي لا تزال عالية حتى بعد التراجع الأخير.
وبلغ متوسط فرق العائد على السندات الأميركية عالية التصنيف 0.75 نقطة مئوية عند إغلاق يوم الخميس، وفق بيانات مؤشرات بلومبرغ.
وكتب استراتيجيو باركليز (Barclays) براد روغوف ودومينيك توبلان في مذكرة يوم الجمعة: “ضيق التقييمات يجعل الائتمان أكثر عرضة لأي اضطرابات محتملة”.
وتوقع “جيه بي مورغان” في نوفمبر أن تبلغ مبيعات السندات الأميركية عالية التصنيف من قطاع التكنولوجيا والإعلام والاتصالات نحو 400 مليار دولار هذا العام. لكن هذا الرقم قد يرتفع مع زيادة خطط الإنفاق لدى الشركات.
ورغم المخاوف المتعلقة بزيادة المعروض، من المرجح أن يظل الطلب الحالي على السندات الاستثمارية أقوى في الوقت الراهن. فقد لاحقت السيولة الصفقات هذا العام رغم بقاء فروق العوائد عند مستويات قريبة من أدنى مستوياتها منذ عقود.
وظلت العوامل الفنية في سوق السندات عالية التصنيف، وهو مصطلح يشير إلى التوازن بين العرض والطلب كما يظهر في بيانات مثل مخزونات المتعاملين وأرصدة النقد لدى صناديق الائتمان، قوية رغم تسجيل إصدارات قياسية في الولايات المتحدة وعلى مستوى العالم. وسجلت الصناديق التي تستثمر في السندات عالية التصنيف تدفقات داخلة بقيمة 6.44 مليار دولار في الأسبوع المنتهي في 4 فبراير، وفق بيانات “إل إس إي جي ليبر” (LSEG Lipper)، وهو أكبر تدفق منذ أكثر من خمس سنوات.
لكن مع تسارع إنفاق عمالقة التكنولوجيا وبيع المزيد من الديون لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن تواصل هذه العوامل الفنية الضعف، بحسب ناثانييل روزنباوم، رئيس استراتيجية الائتمان الأميركي في “جيه بي مورغان”.
سوق السندات عرضة للصدمات
وأشار روزنباوم في مذكرة يوم الجمعة إلى أن الإصدارات الجديدة خلال الأيام العشرة الماضية حققت أداءً أضعف من مؤشر “جيه بي مورغان” للسندات الأميركية السائلة بنحو 4 نقاط أساس، وهو أكبر ضعف من هذا النوع منذ أكتوبر، وذلك رغم بقاء مخزونات المتعاملين قرب أدنى مستوياتها القياسية.
وأضاف أنه “إذا عادت الإصدارات للارتفاع خلال ما تبقى من الشهر، كما يتوقع، فهناك مجال لمزيد من الضعف الفني في الفترة المقبلة”.
ومن المحتمل أن يستغل المستثمرون انخفاض الأسعار للدخول وشراء السندات، محولين أموالهم من صناديق أسواق المال أو من سندات الرهن العقاري التي حققت مكاسب كبيرة، بحسب ما قاله أندريه سكيبا، رئيس الدخل الثابت الأميركي في “بلو باي لإدارة الدخل الثابت” (BlueBay Fixed Income) التابعة لـ “آر بي سي غلوبال لإدارة الأصول” (RBC Global Asset Management)، في مقابلة مع تلفزيون بلومبرغ يوم الجمعة.
ومع ذلك، فإن تزامن اندفاع شركات التكنولوجيا نحو الاقتراض، وضيق فروق العوائد، وارتفاع مخاطر الائتمان المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يخلق بيئة قد تكون هشة للمستثمرين وسهلة التعرض للصدمات.
وقال علي ملي، المؤسس ورئيس الاستثمار في “موناشيل كابيتال بارتنرز” (Monachil Capital Partners): “لا يتطلب الأمر الكثير من الأحداث السلبية لحدوث موجة بيع وانهيار الأسعار. ورغم أن أسواق الائتمان قد تبدو شديدة السيولة في الأوقات الجيدة، فإن المشترين قد يختفون بسرعة”.



