أسئلة حاسمة قبل الإدراج الضخم.. هل تستحق “سبيس إكس” تقييماً بـ2 تريليون دولار؟


في السنوات السبع والنصف التي تلت تجاوز القيمة السوقية لشركة “أبل” حاجز التريليون دولار، اعتاد المستثمرون على رؤية شركات التكنولوجيا الكبرى تُقيّم برقم تريليوني في الأسواق العامة.
وهناك المزيد في الطريق.. فقد أشارت شركة “سبيس إكس”، المتخصصة في استكشاف الفضاء والتي يسيطر عليها إيلون ماسك، مؤسس شركة “تسلا” وأغنى رجل في العالم، إلى أنها تخطط لطرح عام أولي ضخم في الأشهر المقبلة.
كما قد تُطرح شركتا “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”، المنافستان في مجال الذكاء الاصطناعي، للاكتتاب العام هذه السنة، وقد ارتفعت تقييماتهما الخاصة بالفعل إلى مئات المليارات من الدولارات.
رفعت “سبيس إكس” تقييمها المستهدف إلى أكثر من تريليوني دولار لطرح عام أولي قد يجمع ما يصل إلى 75 مليار دولار، حسبما أفادت “بلومبرغ”. ومع ذلك، يبقى أن نراقب ما إذا كان مستثمرو الأسواق العامة سيكونون مستعدين لشراء أسهم تدعم هذا التقييم.
تحولت “سبيس إكس” من شركة ناشئة صغيرة نسبياً في قطاع الفضاء إلى عملاق في مجال الطيران والفضاء، تحصل على عقود حكومية بمليارات الدولارات وتُعدّ ركناً أساسياً في برنامج الفضاء الأميركي. وإلى جانب نشاط إطلاق الصواريخ، تمتلك الشركة خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية “ستارلينك”، التي أصبحت المصدر الرئيسي للتدفقات النقدية.
وعقب استحواذها على كامل أسهم شركة “إكس إيه آي” (xAI) في فبراير، أصبحت “سبيس إكس” تمتلك أيضاً مشروع الذكاء الاصطناعي “غروك” (Grok)، الذي لا يزال يستهلك السيولة. ويكمل موقع التدوين المصغر “إكس” (X)، المعروف سابقاً باسم تويتر، محفظة أعمالها.
سيُمثّل طرح “سبيس إكس” للاكتتاب العام حدثاً ضخماً في السوق، إذ يمنح المستثمرين فرصة الاستثمار في رؤية إيلون ماسك الطموحة لبناء قوة متكاملة تجمع بين الفضاء والذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، يقول المتشككون إن المستثمرين قد يخشون من أن يقوم ماسك باستنزاف موارد “سبيس إكس”، الشركة الرائدة في مجالها، لتمويل “إكس إيه آي”، وهي واحدة من بين العديد من الشركات في هذا المجال المزدحم.
لماذا تخطط “سبيس إكس” لطرح عام أولي؟
رغم أن شركة “سبيس إكس” يُعتقد أنها تحقق تدفقات نقدية كبيرة، جزء كبير منها من خدمة “ستارلينك”، إلا أن الشركة ستحتاج إلى قدر أكبر بكثير من الأموال لتمويل طموحاتها الكبرى. في مذكرة داخلية للموظفين في ديسمبر نقلتها “بلومبرغ”، قالت “سبيس إكس” إن عائدات الطرح العام ستُستخدم لتمويل التطوير المستمر لصاروخ ستارشيب، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الفضاء، وقاعدة على القمر.
يمكن لـ”سبيس إكس” أن تختار الاستمرار في جمع التمويل من الأسواق الخاصة بدلاً من طرح أسهمها للاكتتاب العام. لكن يبدو أن احتياجاتها التمويلية ارتفعت بشكل كبير مع استحواذها على شركة “إكس إيه آي”، التي تستهلك نحو مليار دولار شهرياً لتغطية تكاليف البنية التحتية للحوسبة، بما في ذلك تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، وفقاً لأشخاص مطلعين على البيانات المالية للشركة.
وعلاوة على ذلك، فكونها شركة مدرجة تمتلك القدرة على الوصول إلى شريحة أوسع من السوق لجمع التمويل قد يساعد نشاط الذكاء الاصطناعي لدى “سبيس إكس” على جمع الأموال بوتيرة أسرع من منافسين مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” قبل طرحهما للاكتتاب العام، في وقت ينفق فيه الجميع مئات المليارات من الدولارات لتحقيق طموحاتهم في مجال الذكاء الاصطناعي.
ما التقييم وحجم الصفقة اللذان تستهدفهما “سبيس إكس”؟
سيؤدي إدراج أسهم سبيس إكس في البورصة إلى جمع ما يصل إلى 75 مليار دولار، وهو ما سيحطم الرقم القياسي السابق الذي سجلته شركة أرامكو السعودية من إدراجها في عام 2019 والبالغ 29.4 مليار دولار. وتستهدف “سبيس إكس” تقييماً يزيد عن تريليوني دولار في الاكتتاب العام الأولي. وهذا يمثل زيادة تقارب الثلثين في تقييم الشركة في غضون أشهر. (يبدو أن ماسك تراجع عن هدف التريليونين في منشور له على موقع “إكس” في 3 أبريل، قائلاً: “لا تصدق كل ما تقرأه”).
السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا التقييم يمكن الحفاظ عليه فعلاً في الأسواق العامة. يُقيّم المحللون الشركات بناءً على أرباحها المستقبلية ونموها، بالإضافة إلى المنافسة في القطاع وهوامش الأرباح. ومع ذلك، فالتقييم ليس علماً دقيقاً، خاصة في ظروف السوق الصاعدة، حيث يكون المستثمرون أحياناً على استعداد لدفع مبالغ إضافية مقابل الأسهم بناءً على عوامل تتجاوز الأسس المالية.
قد يرى البعض أن الإمكانات الهائلة الواضحة لأعمال “سبيس إكس” في مجال الفضاء تبرر سعراً أعلى مما تعكسه بياناتها المالية الحالية، لكن التحديات المحيطة بنشاط “إكس إيه آي” قد تقلل من جاذبية هذا التقييم.
هل هناك مخاطر من الطرح العام؟
بالنسبة للشركة، فإن الجانب السلبي للطرح العام يتمثل في أنها ستكون ملزمة بالإفصاح عن بياناتها المالية كل ربع سنة، بالإضافة إلى الإجابة عن أسئلة محللي وول ستريت والمستثمرين. كما قد تتعرض خططها للاضطراب إذا شهد سعر سهمها تقلبات حادة أو تراجعاً كبيراً كرد فعل على أخبار سلبية.
ما الجدول الزمني للطرح العام؟
قدّمت “سبيس إكس” طلباً سرياً لطرح عام أولي قد يتم في يونيو، بحسب ما أفادت به “بلومبرغ”.
وتبدأ الشركة في إجراءات تقديم الطلب السري إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، والتي تستغرق عادة ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر، في حال عدم وجود عقبات كبيرة. وبعد انتهاء هذه المراجعة، تقوم الشركة عادة بتقديم المستند بشكل علني.
ويمنح التقديم العلني —الذي سيكشف لأول مرة عن جميع البيانات المالية للجمهور— فترة إتاحة عامة مدتها 15 يوماً. وبعد انتهائها، تبدأ الشركة حملة تسويق رسمية لبيع الأسهم، عادة ضمن نطاق سعري محدد، قبل تحديد السعر النهائي للاكتتاب.
من يشارك في الاكتتاب؟
بمجرد تحديد النطاق السعري، تبدأ البنوك في تلقي طلبات شراء الأسهم من المستثمرين المؤسساتيين. وفي الوقت نفسه، يمكن للمستثمرين الأفراد تقديم طلباتهم عبر الوسطاء التابعين للبنوك.
كما سيتمكن ملايين المستثمرين الأفراد المستخدمين لمنصات التداول الشهيرة مثل “روبنهود ماركتس” (Robinhood Markets) و”سوفي تكنولوجيز” (SoFi (Technologies من تقديم طلباتهم مباشرة عبر هذه المنصات، رغم أن الحصص المخصصة لهؤلاء المستثمرين تكون عادة محدودة في الطروحات العامة الساخنة.
في اليوم الذي يسبق بدء تداول الأسهم، تتفق “سبيس إكس” والبنوك على السعر النهائي للسهم الذي سيدفعه المستثمرون الأوائل، وكذلك على عدد الأسهم التي سيتم طرحها للبيع.
وعند تحديد هذا السعر، يتعين على الشركة والبنوك تحقيق توازن بين مصلحة المساهمين الحاليين، الذين يرغبون في الحد من تآكل حصصهم نتيجة إصدار عدد كبير من الأسهم، وبين المستثمرين الجدد الذين يسعون للحصول على حصة من الأسهم. وبمجرد تحديد السعر، يبدأ التداول على الأسهم في اليوم التالي.
كيف تستعد وول ستريت؟
الحجم الضخم للطرح —غير المسبوق في وول ستريت— يدفع البنوك إلى التهافت للمشاركة في إدراج “سبيس إكس”، ومن المتوقع أن تشارك معظم البنوك الكبرى بشكل أو بآخر.
لكن المكانة الحقيقة للمؤسسات المالية تأتي من قيادة الطرح، والمشاركة في القرارات الرئيسية مثل التسويق والتسعير وتخصيص الأسهم. وفي هذه المرحلة، تأكدت مشاركة خمسة من أكبر البنوك في عملية الطرح، وهي “بنك أوف أميركا” و”سيتي غروب” و”غولدمان ساكس” و”جيه بي مورغان” و”مورغان ستانلي”. إلا أن الأدوار المحددة لكل منها لم تتضح بعد.
كيف يؤثر الاستحواذ على “إكس إيه آي” على الطرح المحتمل لـ”سبيس إكس”؟
لا يشعر الجميع بالرضا عن قرار “سبيس إكس” شراء “إكس إيه آي” قبل الطرح العام، وذلك لأن “إكس إيه آي” تستنزف الكثير من السيولة، ما قد يضعف جاذبية الأنشطة الأساسية لـ”سبيس إكس”، خاصة خدمة “ستارلينك”.
فالمستثمرون الذين اعتقدوا أنهم يستثمرون في شركة فضاء، بات لديهم الآن انكشاف كبير على قطاع الذكاء الاصطناعي. وبالنسبة لمن يتبنون نظرة سلبية تجاه هذا القطاع، فإنهم قد يجدون أنفسهم يتحملون مخاطر إضافية في سباق عالي المخاطر للهيمنة على هذا المجال.
وإذا تم النظر إلى “سبيس إكس” على أنها تكتل معقد يصعب إدارته، فقد ينعكس ذلك في تقييم أقل من المستوى الذي تستهدفه الشركة.
من جانبه، يرى إيلون ماسك أن امتلاك شركة تمتد أنشطتها في الوقت الحالي إلى الصواريخ والإنترنت الفضائي والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي، يشكّل “محرك ابتكار متكامل رأسياً”، ما يساعدها تحديداً على اقتناص فرصة إنشاء مراكز بيانات في الفضاء.
وبحسب أحد محللي بيتش بوك” (PitchBook)، فإن جمع هذه الأنشطة تحت سقف واحد يمثل عرضاً فريداً: “الجمع بين نمو قاعدة مشتركي “ستارلينك”، والهيمنة على عمليات الإطلاق، والتوسع في تغطية شبكات الهاتف المحمول، يشكّل نموذجاً لا يوجد له نظير في الأسواق العامة”.
كيف يؤثر طرح “سبيس إكس” على سيطرة ماسك على الشركة؟
قبل استحواذها على “إكس إيه آي”، كان إيلون ماسك يمتلك أقل من نصف أسهم “سبيس إكس”، بعد جولات تمويل خاصة متعددة أدخلت مستثمرين خارجيين، من بينهم “فاوندرز فاند” (Founders Fund) التابعة لـ بيتر ثيل، و”فيديليتي إنفستمنتس” (Fidelity Investments)، و”ألفابت” (Alphabet). ولا يزال من غير الواضح حجم حصة ماسك بعد صفقة “إكس إيه آي”.
وتدرس “سبيس إكس” هيكلاً لملكية ما بعد الطرح يتيح للمساهمين الداخليين —وربما ماسك— الاحتفاظ بسيطرة شبه كاملة على القرارات الاستراتيجية وشؤون الشركات.
من المرجح أن المستثمرين المتحمسين لإمكانيات “سبيس إكس” وسجل ماسك الحافل لا يكترثون لهذا الأمر، لكنه قد يثير مشكلات إذا حدث خطأ ما، وتجرأ المستثمرون وطالبوا بتغيير في قيادة الشركة.
كيف سيسوّق ماسك طرح “سبيس إكس” للمستثمرين؟
يرتكز العرض على أن “سبيس إكس” تهيمن على صناعة الفضاء التجارية، وتمتلك إمكانات نمو هائلة، إضافة إلى ارتباطها بقطاعات مثل الدفاع والاتصالات. كما تمتلك الشركة مصدر تدفقات نقدية قوياً في خدمة “ستارلينك” للإنترنت عالي السرعة عالمياً، إلى جانب ميزة تنافسية كبيرة في نشاط إطلاق الصواريخ.
لكن التحدي الأكبر يتمثل في إقناع المستثمرين بأن هذه الأنشطة يمكن أن تجعل “سبيس إكس” لاعباً مهيمناً أيضاً في مجال الذكاء الاصطناعي. ولإقناع المستثمرين بتقييمها الضخم، سيعتمد ماسك أيضاً على مكانته الشخصية وسجله مع المستثمرين الذين حققوا أرباحاً من امتلاك أسهم “تسلا”، التي قفزت بنحو 3000% خلال العقد الماضي. وبالنسبة لبعض المستثمرين المحتملين، قد يكون ذلك أفضل دعاية على الإطلاق.


