التكنولوجيا

لِمَ تطول ساعات العمل رغم تفويض المهام للذكاء الاصطناعي؟

كان من المفترض أن تكون “البرمجة التفاعلية مع الذكاء الاصطناعي” (Vibe coding) أمراً مريحاً وبلا تعقيد. حيث يستطيع المهندسون، في هذ النمط الجديد من البرمجة، بناء منتجات بمجرد الدردشة مع نماذج الذكاء الاصطناعي. 

أدخل الباحث السابق في “أوبن ايه أي” (OpenAI) أندريه كارباثي هذا المصطلح إلى القاموس الثقافي في فبراير 2025، وقال إن تطوير البرمجيات بات يتم “حين تستسلم بالكامل لإيقاع التفاعل ليقود العمل”.

لكن بعد عام واحد، كما يُقال، لم يعد إيقاع التفاعل على ما يرام.

بعيداً عن أن هذه الأدوات للمهندسين تتيح وقتاً أكبر للراحة، فإن وكلاء البرمجة المعتمدين على الذكاء الاصطناعي الذين تتسارع قدراتهم -ومن بينهم “كلود كود” (Claude Code) التابع لشركة “أنثروبيك” (Anthropic) و”كوديكس” (Codex) من “أوبن إيه آي”-أوجدوا خلال الأشهر القليلة الماضية حالة من القلق المفرط بشأن الإنتاجية لدى المسؤولين التنفيذيين، وانتقل هذا القلق بدوره إلى الموظفين الذين يعملون تحت إدارتهم. فهؤلاء الوكلاء لا يكتفون بتوليد نصوص أو صور كما تفعل روبوتات الدردشة الموجهة للمستهلكين. بل إنهم يخططون وينفذون ويُتمّون المهام نيابة عن مستخدميهم من البشر، بل وينشئون وكلاء خاصين بهم لإنجاز العمل. 

إنتاجية الذكاء الاصطناعي

قد يعني ذلك بناء تطبيق وتصحيح أخطائه أو جدولة اجتماع أو شراء بنطال وكل ذلك مع قدر ضئيل من الإشراف البشري. حقيقة أن وكلاء الذكاء الاصطناعي قادرون على إنتاج شفرة برمجية أكثر من البشر وفي وقت أقل، تحولت إلى شعور بأنه يتعين عليهم بالتالي أن يفعلوا ذلك. كما قال رئيس “أوبن إيه آي” غريغ بروكمان مؤخراً على منصة “إكس”، فإن الأمر “يشعر وكأنه فرصة مهدرة للغاية في كل لحظة لا تكون فيها وكلاؤك قيد التشغيل”.

هل يحقق ذلك مصلحة ذاتية؟ لا شك. فإذا كان هناك من سيستفيد من ارتباط الناس القهري بوكلاء البرمجة، فهي “أوبن إيه آي”. لكن منشور بروكمان لامس نوعاً جديداً ومتنامياً من نزعة الوصول إلى أقصى مستوى إنتاجية، يُسرع من وتيرة الميل إلى إدمان العمل المتجذر أصلاً في قطاع التكنولوجيا.

يقول أليكس بالازس، كبير مسؤولي التكنولوجيا في “إنتويت”: “كانت هناك أوقات تنزل فيها زوجتي إلى الطابق السفلي الساعة الثامنة صباحاً وتسألني: منذ متى وأنت مستيقظ؟ فأجيب: استيقظت الساعة الخامسة صباحاً، فقط لأكتب الشفرة”. أو على الأقل، كان يدفع وكيلاً للذكاء الاصطناعي لكتابتها نيابة عنه، وهي عملية يقول إنها أعادته إلى أعماق شفرة “إنتويت” أكثر مما كان عليه منذ سنوات.

وفقاً لدراسة تجريها “جامعة كاليفورنيا” في بيركلي على مؤسسة تضم 200 شخص، فإنه حتى مع تفويض الأشخاص جزءاً من أعمالهم لوكلاء الذكاء الاصطناعي، فإنهم يعملون في الوقت نفسه لساعات أطول. كما بدأ بعض المهندسين يصرحون بتعرضهم لما يُعرف بـ”إرهاق الذكاء الاصطناعي”، الناتج عن الخوف الدائم من تفويت الإنجاز الكبير التالي الذي يبدو دائماً على بُعد أمر توجيهي واحد فقط. يقول أندرو ويريك، نائب رئيس المنتجات في شركة “دوكوسكتش” (DocuSketch)، وهي شركة برمجيات تركز على قطاع ترميم العقارات: “هناك شعور يكاد يكون إدماناً. الأمر يشبه أن تقول: يا إلهي، عليّ أن أحصل على مزيد من هذه التفاعلات يومياً. كيف أُدخل بعض التفاعلات الإضافية قبل النوم؟”

إدمان “كلود”

كحال كثيرين، يقول ويريك إنه أصبح “مدمناً على كلود” في أواخر نوفمبر، عندما اختبر أحدث نماذج “أنثروبيك”، وهو “أوبوس 4.5”. وقد كلفه ببناء نموذج أولي لخاصية ضمن تطبيق “دوكوسكتش”، وهو نوع من المشاريع كان عادةً ما يحيله إلى أحد مهندسيه. وبعد 20 دقيقة، وبعد أن راقب كيف قام النموذج بتفكيك المهمة وتنفيذها فعلياً، قال ويريك إنه شعر وكأن دماغه أعيد تشغيله. ويضيف: “تجد نفسك فجأة تقول: أنا الآن في عالم مختلف”.

وقد غير ذلك توقعات المهندسين في “دوكوسكتش”. إذ يقول ويريك إن الشركة تراقب الآن “عدد التفاعلات يومياً” لكل مهندس مع وكلاء البرمجة. والافتراض هو أنه كلما ارتفع العدد، زادت إنتاجية الفريق. وليس ذلك فحسب، بل تتعقب الشركة أيضاً مدى كفاءة هذه التفاعلات. ومرة كل أسبوع، ينشر “كلود كود” تقريراً لكل مهندس حول جميع الحالات التي علقوا فيها في حلقات غير منتجة مع الوكيل، ويقدم نصائح حول كيفية تجنب هذه الأنماط.

يقول أليكس سالازار، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة الذكاء الاصطناعي الناشئة “أركيد دوت ديف”، إنه يستعرض بانتظام فواتير “كلود كود” الخاصة بالشركة، والتي تستند إلى مدى استخدام مهندسي “أركيد” للأداة، ويعاتب من لا ينفقون ما يكفي. ويضيف: “أقول لهم: يا رفاق، أنتم لا تبذلون جهداً كافياً”. بعد أول اجتماع من هذه الاجتماعات التي وصفها بأنها “مكاشفة حاسمة”، ارتفعت فواتير الشركة الخاصة بوكلاء البرمجة عشرة أضعاف، وهو إنفاق يعتبره تقدماً.

يرجع جزء من الطاقة المحمومة المحيطة بوكلاء البرمجة إلى قادة كبار مثل بالازس وويريك وسالازار، الذين ابتعدوا منذ زمن عن مهام البرمجة اليومية، لكنهم يستخدمون الآن وكلاء الذكاء الاصطناعي لبناء أشياء بأنفسهم، سواء لأغراض عملية بحتة أو للمتعة. يقول سالازار: “بالنسبة لي شخصياً، حل ذلك محل ألعاب الفيديو”. وقد رد مؤخراً على طلب خدمة عملاء من عميل مالي كبير من خلال بناء تطبيق تجريبي من الصفر.

أدوات الذكاء الاصطناعي

عندما يبدأ كبار المسؤولين التنفيذيين في الاستمتاع بتجميع نماذج أولية بسرعة، فإن ذلك يغير بطبيعة الحال توقعات الجميع. لكنه قد يسهم أيضاً في تعزيز فهمهم لزيادات الإنتاجية الفعلية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي. فقد وجدت دراسة حديثة أجرتها شركة الاستشارات “سيكشن” (Section) أن أكثر من 40% من المسؤولين التنفيذيين في المناصب العليا قالوا إن أدوات الذكاء الاصطناعي وفرت لهم ما لا يقل عن 8 ساعات أسبوعياً، بينما قال 67% من غير المديرين إن الذكاء الاصطناعي وفر لهم أقل من ساعتين، إن وفر لهم وقتاً أصلاً.

ويقر سالازار بأن جزءاً من هذا التفاوت قد يعود إلى إحساس بالحداثة. بناء شيء بنفسك قد يبدو أكثر إنتاجية من التفويض لأطراف أخرى واتخاذ القرارات حيث إن ذلك يشغل عادة معظم وقت المسؤولين التنفيذيين. لكنه يقول أيضاً إن الموظفين في المستويات الأدنى قد يستهينون بإمكانات هذه الأدوات، جزئياً لأنهم هم من يُطلب منهم إعادة هيكلة طريقة عملهم. يضيف: “يُطلب منهم ضمنياً إيجاد وقت للاستكشاف والتجربة، لكن توقعات عملهم اليومية لم تتغير لتوفير مساحة لذلك”.

لا يتطرق ذلك حتى إلى المخاوف الكامنة بشأن الأمان الوظيفي. إذ يقول سالازار إنه كان يستعد مؤخراً لتغيير وكالات شبكة إنترنت خارجية، لكنه قرر الاستغناء عنها الآن بعدما بدأ فريق التسويق لديه باستخدام وكلاء البرمجة لتحديث موقع الشركة بأنفسهم.

وليس كبار المسؤولين التنفيذيين وحدهم من يخرجون عن أدوارهم التقليدية بفضل وكلاء الذكاء الاصطناعي. في “إنتويت” (Intuit)، يُشجع مديرو المنتجات والمصممون على استخدام “البرمجة التفاعلية” لبناء الخواص اللازمة في “كويك بوكس” (QuickBooks)، بحسب بالازس. ولم تطلق “إنتويت” هذه النماذج الأولية للعملاء بعد، لكنه يضيف: “على الأقل الآن، يستطيع مدير المنتج أن يأتي إلى المهندس ويقول: أريد شيئاً بهذا الشكل”.

أعباء عمل الذكاء الاصطناعي

في أفضل السيناريوهات، يسرع ذلك الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ. يقول بالازس إن مهندسي “إنتويت” باتوا أكثر إنتاجية بنسبة تصل إلى 30%، وفقاً لقياس سرعة الشفرة التي ينتجونها ويطلقونها. لكنه يعترف أيضاً بأن ذلك قد يزيد من صعوبة علاقات العمل. تابع: “كانت هذه الأدوار محددة بصرامة من حيث المسؤوليات، مع نقاط تسليم واضحة. الآن ما نراه هو أن العديد من هذه الأدوار باتت هجينة”.

في دراستهم، أطلق باحثو “بيركلي” على هذه الديناميكية اسم “توسيع المهام”. ووجدوا أنها قد تنتهي إلى مفاقمة أعباء عمل المهندسين المتزايد أصلاً، إذ يضطرون إلى قضاء وقت في تحسين إبداعات زملائهم غير التقنيين الناتجة عن “البرمجة التفاعلية”.

يبقى السؤال الجوهري في ظل هذا التحول: هل يترجم هذا التوسع في البناء إلى قيمة مضافة فعلية، أم أنه يفضي فقط إلى إنتاج المزيد من الأشياء دون أثر حقيقي؟ وإذا تُرك هلع الإنتاج المدفوع بالذكاء الاصطناعي دون ضوابط، فقد ينتهي به الأمر إلى وفرة مما يمكن تسميته “برمجيات لإظهار النشاط” مثل تحديث طفيف لموقع إلكتروني لن يلحظه أحد أو لوحة بيانات صُممت لمستخدم واحد فقط أو نموذج تجريبي غير مكتمل أعدّه رئيس قسم التسويق ثم يُطلب من المهندسين لاحقاً تحويله إلى منتج قابل للاستخدام فعلياً. قد يخدم كل منها غرضاً في لحظته، لكن الكثير منها سينتهي حتماً في سلة المهملات. في هذا المستقبل من الشفرة قصيرة العمر، قد تكون أكبر حيلة إنتاجية هي التحلي بضبط النفس لمعرفة ما الذي لا ينبغي بناؤه من الأساس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى