مات إبستين لكن 5 من مخططاته ما تزال حية


ربما يكون جيفري إبستين مات أو لا.. لا أحد يعرف يقيناً إجابة هذا السؤال لكن الأكيد أن مخططاته الاقتصادية والسياسية -والتي سبق بعضها العصر- ما تزال حية وتنبض من حولنا في كل مكان.. فالرجل المتهم باغتصاب قاصرات وتسهيل الدعارة لم يكن قوّاداً عادياً بالمعنى المتعارف عليه، وإنما شبكة نفوذ اجتماعي تسير على قدمين.. وعقل فذ أمسك بخيوط إمبراطورية اقتصادية تبدو من بعيد كجبل ثلج لا يُرى سوى قمته.
قصة إمبراطورية إبستين الاقتصادية كشفت خيوطها أكثر من 3.5 مليون وثيقة أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية قبل أيام. وتُظهر هذه الإمبراطورية أن دور إبستين تجاوز “المجاملات الاجتماعية” بكثير. فقد عومل كمستشار موثوق، ومُصلِح مشكلات، ووسيط لترتيب اجتماعات سرية بين أكبر رجال الأعمال وقادة الدول، ومحرك من وراء الستار لكل شيء من الصفقات الكبرى حتى أسعار النفط.
ولكن قبل الدخول إلى عالم إبستين علينا أولاً أو نحلل مكونات المعروف من ثروته حسبما جاء في الوثائق.
ثروة إبستين.. رقم صغير وغموض كبير

تكشف الطبقة الأولى من ملفات وزارة العدل الأميركية أن ثروة جيفري إبستين المعروفة بلغت نحو 578 مليون دولار فقط بعد وفاته، وهي ثروة متوسطة من حيث الحسابات، لكنها استثنائية بالغموض، حيث هُيكلت على شكل أموال مركزة المصدر (إذ جاء 64% منها من شخصين فقط)، وأغلبها أموال سائلة وحصص ضئيلة في شركات تقارب 380 مليون دولار، ومحفظة عقارية فاخرة شملت قصراً في مانهاتن بقيمة 51 مليون دولار، ومنزلاً في بالم بيتش بنحو 18 مليون دولار، وشقة في باريس بنحو 8 ملايين دولار، ومزرعة في نيو مكسيكو بـ17 مليون دولار، إضافة إلى جزيرتي ليتل وغريت سانت جيمس في جزر فيرجن الأميركية.
أما مصدرا الثروة الرئيسيان فهما: الملياردير ليزلي ويكسنر، مؤسس شركة “إل براندز” (L Brands) المالكة لعلامة “فيكتوريا سيكريت”، الذي تعرّف عليه إبستين بوصفه “خبيراً مالياً” بعدما ترك عمله كمدرس فيزياء ورياضيات -رغم أنه لم يكن يحمل حتى شهادة جامعية- وأدار ثروته في الثمانينيات. واتهم ويكسنر إبيستين باختلاس الملايين من ثروته، لكنه لم يكشف عن حجم الاختلاس وسحب شكواه الرسمية في ظروف غامضة.
والثاني هو ليون بلاك، الشريك المؤسس لشركة “أبوللو” (Apollo) الذي شكّل العمود الفقري لأموال إبستين عبر إدارة أصول، وترتيبات استشارية، وتحويلات ضخمة لا تزال تفاصيلها موضع تدقيق. وبحسب ما كشفته الوثائق، دفع بلاك لإبستين نحو 158 مليون دولار بين عامي 2012 و2017 مقابل “خدمات استشارية”، وهو رقم استثنائي لمثل هذه الوظيفة حتى بمعايير عالم المال، وكان أحد الأعمدة الرئيسية التي بُنيت عليها ثروة إبستين المعروفة.
وبعد إعلان وفاته، وُزعت ثروة إبستين ورقياً على (52 شخصاً) حسب وصيته، أغلبهم من غير أقربائه (ما عدا شقيقه وصديقته السابقة)، ولا تزال الأموال مجمدة تحت وصاية القضاء لحين الفض في نزاعات تعويضات ضحايا إبستين البالغ حجمها 120 مليون دولار تقريباً، ويبين التقرير التالي تفاصيل الشركات التي عمل فيها إبستين أو اشترى حصة منها ومسيرته من البداية وحتى السقوط عن القمة.
بؤر نفوذ ما تزال تنبض بالحياة
كانت شبكة نفوذ إبستين عابرة للقارات وفي كل دول العالم تقريباً من أكبرها لأصغرها، وتعاونه مع عدة أجهزة مخابراتية أبرزها الموساد والسي آي إيه الأميركي وجهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية (MI6).
ومن الأسماء الشهيرة التي وردت في الملفات ولا تزال حية ترزق حتى الآن كان دوق يورك أندرو وندسور بوصفه الاسم الأكثر وروداً في الوثائق بـ302 مرة، في علاقة اجتماعية مباشرة ومتكررة شملت لقاءات وسفريات موثقة. ويليه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بـ235 إشارة، وارتبط اسمه بسفره على متن طائرة إبستين الخاصة ومشاركته في فعاليات ضمن شبكة علاقاته الدولية، بينما ورد اسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب 53 مرة في سياق علاقات اجتماعية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي داخل أوساط المال والأعمال في نيويورك وفلوريدا.
وامتد نفوذ إبستين إلى الدوائر المالية والتكنولوجية، حيث ورد اسم إيلون ماسك 21 مرة في سياق محاولات إبستين الوصول إلى دوائر الابتكار والبحث العلمي، دون وجود دليل على شراكة مالية، إلى جانب ستيف بانون، المساعد السابق لترمب، بـ19 مرة ضمن نقاشات فكرية وسياسية لاحقة لسجن إبستين، وسيرجي برين المؤسس المشارك لـ”جوجل” بـ14 مرة عبر لقاءات ومناسبات اجتماعية مرتبطة بعالم التكنولوجيا والعمل الخيري.
أما على مستوى القادة العالميين، فتبرز أسماء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك لا بوصفهم ضمن الأكثر ذِكراً رقمياً في الملفات وحسب، بل أيضاً في سياق تساؤلات حول محاولات إبستين اختراق دوائر نفوذ دولية كبرى.
وفي دوائر الإعلام والأعمال العابرة للحدود، ظهر اسم المنتج الأميركي هارفي واينستين 18 مرة في سياق اجتماعي داخل نخبة هوليوود، وريتشارد برانسون، صاحب علامة “فيرجن ميغا ستور” 10 مرات ضمن محيط رجال الأعمال الدوليين، إلى جانب وزير التجارة الأميركي الحالي هوارد لوتنيك 10 مرات في إطار علاقات داخل الأسواق المالية.
أفكار اقتصادية سابقة للعصر
إلى جانب بؤر النفوذ الممتدة التي كان يقودها، واستثماراته المتنوعة بين إدارة الأصول والعقارات والاستشارات المالية، كانت أعمال جيفري إبستين متداخلة في العديد من المجالات وطموحة إلى أبعد الدرجات.
دعم إبستين مجالات اقتصادية نوعية عديدة، مثل الحوسبة الكمية ونمذجة الذكاء الاصطناعي وتعميم العملات المشفرة، وتسليع النفوذ، وتوجيه الأموال السيادية للدول، والسيطرة على مشغلي الموانئ، وبعض مخططاته تحققت فعلاً على أرض الواقع وأخرى لا يزال تنفيذها مستمراً حتى بعد وفاته. كما يلي:
المخطط الأول: نشر العملات المشفرة حول العالم
بحسب الوثائق، كان إبستين مهتماً منذ أواخر التسعينيات وعلى مدار عقدين تقريباً بالاستثمار واستخدام العملات المشفرة، باعتبارها وسيلة لنقل الأموال بحرية خارج إطار البنوك وتحقيق أرباح كبيرة في الوقت ذاته. وشارك في استثمار بقيمة 3 ملايين دولار في “كوين بيس” (Coinbase) في 2014، عندما قُدّرت قيمة الشركة آنذاك بنحو 400 مليون دولار. هذا الاستثمار الذي تمت تسميته في الإيميلات بـ“Take $3 million” مكّنه من الحصول على حصة صغيرة (أقل من 1% من أسهم الشركة) ثم باع نصفها لاحقاً في 2018 مقابل نحو 15 مليون دولار، أي أن قيمة استثماره بلغت 10 أضعاف ما دفعه بالبداية.
الوثائق تكشف أيضاً أن إبستين لم يقتصر تواصله بعالم العملات المشفرة على الاستثمار فقط، بل كانت هناك علاقات مباشرة مع شخصيات بارزة في المشهد التشفيري مثل بروك بيرس، مؤسس عملة “تيذر” (Tether).
كان بيرس حلقة وصل محورية في تقديم صفقات العملات المشفرة لإبستين، وأدار النقاشات معه دعم الاستثمارات في القطاع، وبيتر ثيل، الذي قدم له نصائح عديدة حول الاستثمار في سيليكون فالي، بعضها نجح بشدة وأخرى كانت فاشلة.
وإلى جانب “كوين بيس”، تشير الوثائق إلى أن إبستين استثمر أيضاً في شركة “بلوك ستريم” (Blockstream)، وهي شركة معروفة بدورها في تطوير بنية تقنية لعملة بتكوين، أكبر وأهم عملة مشفرة الآن، عبر صندوق مرتبط بشخص ثالث لم يكشف عن اسمه، إذ لم يكتفِ بالاستثمارات البسيطة بل امتد الاهتمام بمشروعات بنيوية أساسية في عالم التشفير.
وكان إبستين مؤمناً بأن كل دولة ومنطقة عليها إطلاق عملة رقمية خاصة بها، بما في ذلك الشرق الأوسط، حيث عرض فكرة إطلاق عملتين مشفرتين، الأولى تحت اسم “شريعة” للاستخدام داخل أسواق المنطقة، والثانية على غرار “بتكوين” ويمكن استخدامها لتشكيل عملة رقمية عالمية موائمة للشريعة. وكان لافتاً قوله إنه تكلّم مع بعض مؤسسي “بتكوين” الذين أبدوا حماسهم للفكرة.
المخطط الثاني: تطوير الذكاء الاصطناعي حد “التأليه”
تُظهر الوثائق أن إبستين كان يتطلع إلى فتح إمكانات لم يصل إليها أي شخص آخر عبر الذكاء الاصطناعي، مستخدماً في ذلك كل الوسائل المتاحة من دعم الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة، إلى الإنفاق على أساتذة الجامعات المختصين.
في عام 2012، أرسل إبستين رسالة بريد إلكتروني إلى إيلون ماسك أشار فيها إلى لقاء “رجل الذكاء الاصطناعي في لندن”، وكان يقصد بذلك المؤسس المشارك لشركة “ديب مايند” ديميس هاسابيس.
كما تبين جهات اتصال إبستين أسماء عدد من الأساتذة الذين التقى بهم، ومن بينهم باحث الذكاء الاصطناعي الألماني البارز يوشا باخ الذي تولى إبستين جميع نفقاته تقريباً في الفترة من 2013 حتى 2017.
كتب باخ في رسالة إلكترونية ضمن الوثائق إلى إبستين عام 2015: “أموالي الشخصية نفدت مجدداً، هل يمكنك مساعدتي مرة أخرى؟ (ما زلت أشعر بالحرج من الطلب)”. وأجابه إبستين “أنه سيتكفل بتأمين كل المصاريف اللازمة”.
كما قدم إبستين تمويلاً، بشكل مباشر أو عبر وسطاء، لأبحاث في مؤسسة “إم آي تي ميديا لاب” (MIT Media Lab) التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا شملت تحليل السلوك البشري، ونمذجة القرار، والتفاعل بين الإنسان والآلة، وتخزين البيانات في ذاكرة الذكاء الاصطناعي حتى أدق التفاصيل. وحسب الوثائق، بلغ التمويل المعلن فقط الذي قدّمه للمؤسسة بين 2002 و2017 نحو 800 ألف دولار، وكان له مكتب خاص باسمه في المعهد، لكن تمت إزالة اسمه بعد ثبوت إدانته في قضية اعتداء على قاصر عام 2008 بالرغم أنه استمر في تمويل أبحاث المعهد، وتم الاعتراف به أحياناً كباحث مشارك في بعض الأوراق البحثية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث كانت هناك مؤسسة خيرية تابعة له تُدعى “جيفري إبستين آي في” تنتشر في عدة دول آسيوية وأفريقية” وأشرفت على إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي لدول مثل إثيوبيا، حسب وثيقة مؤرخة في 2012، كما اقترح في مايو 2014 أن يكتب مقالاً عن تطور الذكاء الاصطناعي في إثيوبيا للنشر في مجلة “فوربس” بالتعاون بن غورتزل عالم الحاسب الآلي وباحث الذكاء الاصطناعي، الذي ساعد في تطوير مفهوم “الذكاء الاصطناعي العام”.
ووصل به الأمر أن ناقش فكرة “تأليه الذكاء الاصطناعي” مع العالم الهندي الأميركي ديباك شوبرا في إحدى مراسلاته، حيث قال الثاني: “يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتخذ قفزة مستقبلية، أو عبثية، أو حتى مُغيرة للحياة، ولا يستطيع أحد التنبؤ بها، عبر رؤية دين روبوتي جديد، يكون له إله من الذكاء الاصطناعي”.
المخطط الثالث: السيطرة على حركة الأموال السيادية
تكشف الوثائق أن إبستين كان مهتماً جداً بحركة الأموال السيادية بعدة دول حول العالم تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها.
وثيقة مؤرخة في 8 فبراير 2016، تكشف أن إبستين ومستشاريه من محللي الأسهم كانوا يرون أن الصناديق السيادية لا تستطيع التخارج من استثماراتها في الأسهم الأميركية بمؤشر “إس آند بي 500” بسهولة، أو ما يُعرف الآن بحركة “بيع أميركا”. وحتى لو فعلت سيكون ذلك التخارج محدوداً وغير مؤثر، لأن إجمالي هذه الاستثمارات يناهز 1% فقط من إجمالي قيمة الأسهم المدرجة على المؤشر حينها، بينما باقي الاستثمارات خاصة بأفراد لا تسيطر عليهم الدول.
كما كان يرتب لقاءات خاصة للمستثمرين الراغبين في التواصل من خلاله مع عدة صناديق سيادية، أبرزها صندوق الثروة النرويجي (أكبر صندوق سيادي في العالم)، وتبين رسالة من الوثائق بتاريخ 29 يناير 2014 عمق هذا النفوذ، حيث طالبه المستثمر الأميركي أندرو فاركاس بترتيب لقاء مع الصندوق، ليجيبه إبستين بالموافقة والبدء بالتحضيرات.
وسألت رسائل أخرى ما بين إبستين وجوليانا غلوفر في 13 أغسطس 2018، وهي إحدى أكثر النساء نفوذاً في لوبيات شركات التكنولوجيا بواشنطن، عن تقديم المشورة لصناديق ثروة سيادية تسعى إلى مساعدة شركة بارزة على التحول إلى شركة خاصة (شطبها من البورصة). وقال لها: “أخبريني إن كان بإمكاني المساعدة بتقديم أي معلومات إضافية مناسبة” لإتمام الصفقات.
كما كان إبستين مهتماً جداً بحركة الصناديق السيادية في الشرق الأوسط باعتبارها من أكبر الكيانات الاستثمارية في العالم.
تبين الوثائق كذلك تتبع إبستين للأموال السيادية الليبية المجمدة بعد سقوظ نظام معمر القذافي، ومحاولته الوصول لها بالتعاون مع غريغوري براون، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة “غلوبال كاست بارتنرز” (GlobalCast Partners)، وهي شركة استشارية خاصة عملت في إدارة الأصول وإعادة هيكلة الاستثمارات وتتبع الأموال السيادية عالية المخاطر في بيئات ما بعد النزاعات. وتكشف رسالة أخرى مؤرخة في يوليو 2011، أرسلها أحد شركاء إبستين، عن خطط للاستفادة من “الاضطرابات السياسية والاقتصادية” في ليبيا لتحديد واسترداد الأموال الليبية المجمدة في دول غربية، والتي بلغت نحو 70 مليار دولار، منها 32.4 مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها.
وحتى الآن لا يوجد دليل رسمي من وزارة العدل الأميركية أو من جهات القضاء أو إدارة الصندوق السيادي الليبي يُفيد بأن الحجز على الأموال الليبية المفقودة التي وردت في مراسلات إبستين قد تم رفعه.
المخطط الرابع: دعم الحركات الانفصالية واقتناص الموارد
تُظهر الوثائق أن إبستين كان يلعب دور منظم لدوائر نقاش تجمع اقتصاديين وتقنيين وفلاسفة سياسة، تتناول تفكك الدول القومية لصالح شبكات سيادية مرنة (عملات خاصة، مناطق تنظيمية مستقلة)، وأبرز مثال على ذلك “أرض الصومال”.
فمن بين 51 وثيقة في ملفات وزارة العدل ناقشت قضية أرض الصومال والفوائد الاقتصادية والسياسية الكبيرة التي ستتحقق من انفصالها، كان إبستين مهتماً بشدة بهذه القضية ويبدي استعداداً للترويج لها وتقديم الدعم كلما أمكن.
وتشير رسالة بتاريخ 23 نوفمبر 2011 -أي قبل 14 عاماً كاملة على إعلان إسرائيل تأييد الانفصال- إلى أن إبستين تبادل رسائل مع سيدة تُدعى “ميلاني” حول إجراء زيارة على أرض الواقع لتفحص أوضاع أرض الصومال، قالت الرسالة: “أمرٌ مذهل. الصومال مكان غارق في الفوضى، لكن أرض الصومال ذكية ومتقدمة فعلاً. لا أموال تقريباً، لكن قدر كبير من الابتكار. من المدهش ما ينجحون في إنجازه. قمتُ بالرحلة براً من شمال إثيوبيا. كان معي مرافقة عسكرية كاملة، وبنادق كلاشينكوف (AK-47) وغيرها. عالم آخر. آمن جداً.. ينبغي أن تسافر بنفسك إلى هرجيسا”.
كما تراسل مع سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس الإدارة السابق لشركة موانئ دبي العالمية (DP World)، عدة مرات حول فوائد انفصال الإقليم، خلال عام 2018، أي قبل 5 أعوام من إعلان الشركة وحكومة أرض الصومال عن افتتاحهما المنطقة الاقتصادية الجديدة في ميناء بربرة، والتي -بحسب بيان الافتتاح- أسهمت إلى جانب الميناء في “تحول أرض الصومال إلى مركز تجاري رئيسي في منطقة القرن الأفريقي”.
ولا تُعدّ أرض الصومال النموذج الوحيد على مساعي إبستين لتغيير شكل خريطة الدول، حيث كان يناقش كذلك نزاعات السودان وجنوب السودان وسرديات الحرب في اليمن وتوغل الجماعات المسلحة في ليبيا من بين عدة دول أخرى بالشرق الأوسط.
وفي أوروبا، عرجت الرسائل على انفصال غرينلاند عن الدنمارك وخضوعها تحت السيطرة الأميركية للاستيلاء على معادنها، وهو الاتجاه الذي تبناه دونالد ترمب -صديق آخر لإبستين- في ولايته الأولى والحالية أيضاً.
المخطط الخامس: تغيير تركيبة سكان الأرض إلى “ما بعد الإنسانية”
تكشف الرسائل التي تناولت ما سُمّي بـ”Venus Project” أن إبستين كان يدفع مقابل اختبارات جينية/ تسلسل DNA بعد إدانته عام 2008، في مسعى وُصف بأنه محاولة لاستخدام مادته الوراثية في الطب التجديدي وفهم ما يمكن أن يخدم “إطالة العمر”. تقارير عدة نقلت عن هذه الرسائل أنه موّل تحاليل ترتبط بالجينيوم/الإكسوم ضمن مسار بحثي عن الشيخوخة وإصلاح الأنسجة، كما كان يمول فحوصاً وتجارب مرتبطة في جامعة هارفارد ومستشفى جبل سيناء في نيويورك.
وتظهر مراسلات مؤرخة في يوليو 2018 مع المذيع الأميركي برايان بيشوب هدفاً نصياً شديد التطرف، وهو الوصول إلى “أول ولادة حية لطفل مُصمَّم وراثياً، وربما استنساخ إنسان، خلال خمس سنوات. ضمن مشروع كبير رعاه إبستين تحت عنوان “ما بعد الإنسانية”.
وبحسب مراسلات تعود إلى مارس 2015 كان إبستين مهتماً كذلك بمخاطر الأوبئة بوصفها سيناريوهات أمن صحي عالمي، حيث شارك أو تابع نقاشات دارت قبل 4 سنوات من تفشي جائحة كوفيد-19 حول الكيفية التي تنتشر بها الأوبئة، ونماذج التفشي، وتمويل أبحاث اللقاحات والاحتواء، بما في ذلك حوارات مع خبراء صحة عامة ومؤسسات دولية معنية بالاستجابة الصحية مثل منظمة الصحة العالمية.
تُعدّ هذه المخططات الخمسة نموذجاً انتقائياً مما كشفته وثائق وزارة العدل عن إبستين ونفوذه وشبكاته ومخططاته.



